السيد محمد باقر الصدر

232

بحوث في علم الأصول

ومن الواضح أن وجوب المقدمة شرعا ، على القول به ، هو من مدركات العقل النظري دون العملي ، فلا تشمل القاعدة الموروثة في حيثيّات أحكام العقل . والخلاصة هي : إنّ هذه القاعدة ، كلام موروث ، يقصد منه الأحكام العقلية العملية لا النظرية ، فعند ما يقال : « الضرب للتأديب حسن » ، يكون « التأديب » « هو الحسن » لا أنّ « التأديب » يجعل « الضرب » بعنوانه « حسنا » . وذلك لأن هذه الأحكام العملية أمور واقعية نفس أمرية ، يدرك العقل موضوعاتها مباشرة وبالذات . وهذا بخلاف المجعولات الشرعية ، فإنها ربّما تؤخذ في لسان جعلها حيثيّات هي وسائط لثبوت الحكم على موضوع ، وكذلك مدركات العقل النظري حيث قد تكون حيثيّة « ما » سببا لإدراك العقل حكما على موضوع ليست تلك الحيثيّة مأخوذة فيه . وثانيا : لو سلّمنا بذلك ، فإنّ ما أفيد من لابدّية تعلّق الوجوب بالحصة الاختيارية بالخصوص من المقدمة ، غير صحيح ، إذ تقدّم في أبحاث التعبّدي والتوصلي ، أنه لا يشترط تعلّق الوجوب بالحصة الاختيارية من الفعل خاصة ، بل يمكن تعلّقه بالجامع بينها وبين غير الاختيارية . ثمّ إنّه لو سلّم لزوم الاختصاص ، وأنّ الباعثية لا تكون إلّا إلى الحصة الاختيارية من الفعل ، فذلك إنّما يتم في الواجبات النفسية التي تجعل بملاك الداعوية ، لا الواجبات الغيرية ، التي لا تجعل - على القول بها - من أجل الداعوية ، وإنّما هي واجبات قهرية تبعيّة . وثالثا : لو أنه سلّم بذلك ، وافترضنا أن الواجب الغيري كالنفسي ، مع ذلك نقول : إنه يكفي في اختيارية الفعل ، - بنحو يكون هو الشرط في التكليف